القاضي النعمان المغربي

63

المجالس والمسايرات

ثمّ نظرت في هذه القضية العجيبة التي ألهمه اللّه عزّ وجلّ إيّاها وسترها عن الإمام فذكرت قول اللّه عزّ وجلّ : « وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ، فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً » / الآية « 1 » ، وما روى لنا الرواة عن أئمّتنا صلوات اللّه عليهم من أنّ رجلين اختصما إلى داود النبيّ عليه السلام في غنم لأحدهما وقعت في زرع الآخر فأفسدته ، فقال داود عليه السلام في ذلك قولا ثم صرفهما إلى سليمان عليه السلام لينظر بينهما ، فقال سليمان : إن كان صاحب الغنم تعمّد إرسالها في الزرع فهو ضامن لما أفسدت . فإن لم يتعمّد ذلك وأفلتت من غير إرادة منه ولا قصد لذلك ، فلا شيء عليه ، والعجماء جبار . فالعجماء : البهائم ، والجبار : الهدر ، يعني أنّ ما أصابت البهائم من ذات أنفسها فهو هدر . ( قال ) : وهذا فإنّما يكون في النهار / ، وعلى أصحاب الحوائط حياطة حوائطهم بالنهار . فأمّا إن أفلتت في الليل فصاحبها ضامن لما أصابت ، تعمّد ذلك أو لم يتعمّد ، لأنّ على أهل المواشي أن يحفظوا مواشيهم ليلا ويمنعوها من الخروج عن منازلهم ، وليس على أهل الحوائط أن يحفظوا حوائطهم ليلا . ففهّم [ اللّه ] سليمان هذه القضيّة في حياة أبيه وحجبها عنه ليريه فضله في حياته ويسرّه بما أودعه من حكمته . وكذلك فهّم المعزّ لدين اللّه صلوات اللّه عليه هذه القضيّة في حياة المنصور ( صلع ) ليسرّه به وليبيّن أيضا فضله وما ألهمه من الحكمة وليقرّ به عينه / . وكما روى لنا الرواة أيضا عن أئمّتنا صلوات اللّه عليهم أنّ أعرابيّا أتى إلى مسجد رسول اللّه ( صلع ) في أيّام عمر فقال له : إنّي رجل محرم مررت على بيض نعام فجنيت وشويت وأكلت . فقال : ما عندي في هذا علم ، ولكن اجلس السّاعة يجيء من عنده علم ذلك . فجلس حتّى أقبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه . فقال عمر للأعرابي : سل هذا ! وكان الحسن ( ص ) يومئذ غلاما مع عليّ ، فأتى الأعرابيّ إلى عليّ ( ص ) فقال : إنّي رجل محرم مررت على بيض نعام فجنيت وشويت وأكلت .

--> ( 1 ) الأنبياء ، 77 - 78 .